عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
32
معارج التفكر ودقائق التدبر
وجاء التأكيد بضمير الفصل : هُمْ يُوقِنُونَ للدّلالة على اليقين الإراديّ ، لا اليقين الجبري الذي قد تجحده الإرادة ، وللدّلالة على أنّ من يضعف يقينه بالآخرة ، تضعف دوافعه للسّلوك الأمثل ، بمقدار ضعف يقينه ، أي : هم يوقنون يقينا دافعا للسّلوك طمعا بثواب اللّه وخوفا من عقابه . قول اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ( 4 ) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ( 5 ) : زَيَّنَّا : أي : جمّلنا وحسّنّا . يَعْمَهُونَ : أي : يتحيّرون ويتردّدون ، وهم منطمسو البصائر . العمة : هو في البصيرة كالعمى في الأبصار . أي : إنّ الّذين لا يؤمنون بالحياة الآخرة بعد البعث ، ولا بما فيها من جزاء بالثواب وبالعقاب ، تتعلّق مطالب أهوائهم وشهواتهم وسائر رغبات نفوسهم بالحياة الدّنيا ، تعلّق المحبّ الذي يؤثر محبوبه ويفضّله على ما سواه . وقد جعل اللّه عزّ وجلّ في الحياة الدّنيا أنواعا من المتاع مزيّنة للنّاس ، لأنّها تحقّق لهم لذّات وشهوات ورغبات ومحابّ يحبّونها ويتعلّقون بها . ومنها الشهوات من النّساء ، ومنها البنون ، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، والخيل المسوّمة ، والأنعام والحرث ، ومنها التفاخر والتكاثر والعظمة والسلطان ، وامتلاك الأشياء المفيدة . فهم يبذلون طاقاتهم وقدراتهم الجسديّة والفكريّة والنفسيّة ، بغية الوصول إليها والحصول عليها .